عبد الرحمن السهيلي

250

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

غزوة بني النضير وما نزل فيها ذكر ابن إسحاق هذه الغزوة في هذا الموضع ، وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر ، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري ، قال : كانت غزوة بني النضير بعد بدر بستة أشهر . تأويل قوله تعالى : ما قطع من لينة : وذكر نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير ، وسيره إليهم حين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه ، وهموا بقتله ، فلما تحصنوا في حصونهم وحرق نخلهم نادوه أن يا محمد ، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه ، وذكر الحديث . قال أهل التأويل : وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شيء ، حتى أنزل الله تعالى : « ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أو تَركْتمُوها قائمَةً على أُصولها » الحشر الآية . واللينة ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني ففي هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس ، وكانوا يقتاتون العجوة ، وفي الحديث : العجوة من الجنة ، وثمرها يغذو أحسن غذاء ، والبرني أيضاً كذلك . وقال أبو حنيفة : معناه بالفارسية حمل مبارك ، لأن بر معناه : حمل ، وني معناه جيد ، أو مبارك فعربته العرب ، وأدخلته في كلامها ، وفي حديث وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ، وذكر البرني : إنه من خير تمركم ، وإنه دواء وليس بداء ، رواه منهم مزيدة العصري ، ففي قوله تعالى : « ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ » ولم يقل : من نخلة على العموم : تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصير إلى المسلمين ، وقد كان الصديق رضي الله عنه يوصي الجيوش ألا يقطعوا شجراً مثمراً ، وأخذ بذلك أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، فإما تأولوا حديث بني النضير ، وإما رأوه خاصاً للنبي عليه السلام ، ولم يختلفوا أن سورة الحشر نزلت في بني النضير ، ولا اختلفوا في أموالهم ، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب ، وإنما قذف الرعب في قلوبهم وجلوا عن منازلهم إلى خيبر ، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم ، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ، ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار ، إذ كانوا قد ساهموهم في الأموال والديار ، غير أنه